سعيد عطية علي مطاوع

150

الاعجاز القصصي في القرآن

وفّت وربما أخلفت ، ولو هي رفعت من نظم قصصه ثم نزل غيرها في مكانها لرأينا النظم نفسه غير مختلف ، وندرك بذلك مزية عظيمة في توازن حروفه ، وائتلاف مخارجها وتناسب أصواتها ، ونحو هذا مما هو أصل الفصاحة ، ومما لا تغني فيه استعارة ولا مجاز ولا كناية ولا غيرها ، لأنه وجه من تأليف الحروف ونسق اللفظ فيها ؛ وأنواع البلاغة فيه إنما هي من وجوه التأليف بين معاني الكلمات . . فالحرف الواحد في القصة القرآنية معجز في موضعه ، لأنه يمسك الكلمة التي هو فيها ليمسك بها الآية ولآيات الكثيرة ، وهذا هو السرّ في إعجاز جملته القصصية إعجازا أبديا ، فهو أمر فوق الطبيعة الإنسانية " 7 . وبذلك يتضح لنا أن أهم الخصائص اللغوية في القصص تدور حول جهات ثلاث : في الحروف ، والكلمات والجمل : الحروف وأصواتها : لما قرئ القرآن علي العرب ، رأوا حروفه في كلماته ، وكلماته في جمله ، ألحانا لغوية رائعة ، كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة ، قراءتها هي توقيعها 8 ، فلم يفتهم هذا المعني ، وإنه أمر لا قبل لهم به ، وكان ذلك أبين في عجزهم ، حتى أن من عارضه منهم " كمسيلمة " ، جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظما موسيقيا أو بابا منه ، وطوي عما وراء ذلك من التصرف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني ، كأنه فطن إلى أن الصدمة الأولي للنفس العربية ، وإنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها ، وليس يتفق ذلك في شيء من كلام العرب إلا أن يكون وزنا من الشعر أو السجع . . . وليس يخفى أن مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي ، وأن هذا الانفعال بطبيعته إنما هو سبب في تنويع الصوت ، بما يخرجه فيه مدا أو غنّة أو لينا ، أو شدّة ، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه علي مقادير تناسب ما في النفس من أصولها ، ثم هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع ؛ أو الإطناب والبسط ، بمقدار ما يكسبه من الحدّة والارتفاع والاهتزاز وبعد المدى ؛ وحسبنا بهذا